الشيخ محمد آصف المحسني
90
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
المناسب لعظمة الإمامة وعلو رتبتها هو العصمة ، ويعبّر عن هذا القول في عرف الفقهاء ب - : مناسبة الحكم والموضوع ، وليس كثير بعد فيه فلاحظ . وأمّا عصمته ( ص ) من جميع المعاصي من أوّل عمره إلى آخر حياته الكريمة عمداً وسهواً فلقوله تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) « 1 » . فإنّه يدل على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويثبت عصمته ( ص ) بطريق أولى إن لم نقل بدخوله ( ص ) في هذا الخطاب وإلّا فبالمدلول المطابقي . وهذا هو الأقوى فإنّ الخمسة كلهم من أهل البيت الذي اجتمعوا فيه . وتحقيق المقام يقتضي البحث عن جهات : الجهة الأولى : في الإرادة أنّ الإرادة تتشعّب إلى تكوينيّة وتشريعيّة ، والأولى هي التي يمتنع تخلّف المراد عنها ، ضرورة استحالة الانفكاك بين العلّة والمعلول ، وأمّا الثانية فهي لا تلازم المراد بداهة ، ألا ترى أنّ الله تعالى طلب الإطاعة من الكفّار والفسّاق مع عدم وقوعها خارجاً ، وقد مرّ هذا البحث في الجزء الثاني بما لا مزيد عليه . نعم لأحد أن يسأل عن الدليل على أنّ الإرادة في المقام تكوينيّة تستوجب المراد - وهو العصمة - فلعلّها تشريعيّة ؟ قلت : الإرادة في هذه الآية تكوينيّة قطعاً لتعلّقها بأفعال نفسه تعالى ، لا بأفعال غيره ، وبالضرورة كلّ إرادة تعلّقت بأفعال المريد نفسه فهي تكوينيّة لا تشريعيّة . فلو قال الله تعالى : إنّما يريد الله منكم أن تذهبوا الرجس عنكم ؛ لكانت الإرادة تشريعية . وأمّا الآن فهي تكوينيّة لا محالة « 2 » . وهذا واضح جداً ، وعليه فلا يعقل تخلّف ذهاب الرجس عنها بالضرورة ، قال الله تعالى : ( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) « 3 » . أمّا ما تفوّه به بعض سفهاء الدهلي ، وبعض جهلاء بغداد « 4 » من أنّ وقوع مراد الله غير لازم
--> ( 1 ) - الأحزاب 33 / 33 . ( 2 ) - وتدلّ عليه أيضاً كلمة « إنّما » فإنّ الله تعالى أراد ذهاب الرجس والتطهير من جميع المكلّفين ولا وجه لاختصاص الإرادة المذكورة بأهل البيت الخمسة ، بل الإنصاف أنّ نفس كلمة « يريد » ظاهرة في الإرادة التكوينيّة المستتبعة لحصول المراد ؛ لأنّها معناها دون معنى الإرادة التشريعية الذي هو الطلب . وقد حقّقنا في الجزء الأوّل أنّ الطلب غير الإرادة مفهوماً ومصداقاً ، فلاحظ . ( 3 ) - ليس 36 / 82 . ( 4 ) - لاحظ مختصراً التحفة الاثني عشرية للآلوسي البغدادي / 152 . والتحفة لعبد العزيز الدهلوي .